بقلم: مريم أبوري
رواية “المر” لـ سوسن صالحة أحمد ليست مجرد حكاية عائلة، بل هي سيرة وجعٍ ممتدّ في الإنسان، يتوارثه كما يتوارث الاسم والملامح.
عنوان الرواية وحده كثيف الدلالة؛ كلمة واحدة تختزل مرارة الفقد وقسوة التجارب التي تعصف بشخصياتها. على الغلاف، يتصدر المشهد رجل طاعن في السن، ملامحه غارقة في الأسى، مغمض العينين كأنه يلوذ بالعتمة هربًا مما يرى أو مما يتذكر. أمامه ثلاثة شبان وفتاة بوجوه واجمة، مصطفّون كما لو أنهم يستعدون لسرد حكاياتهم الثقيلة، التي يتماهى سوادها مع سواد ملابسهم.
الألوان المتدرجة بين البني الترابي، والأصفر الخردلي، والبرتقالي الخافت، تستحضر عبق الماضي وأوجاع الذاكرة، وحنينًا مشدودًا إلى الأرض والتراب. منذ النظرة الأولى، يدرك القارئ أنه أمام عمل ينبش في طبقات الزمن، لا في سطحه.
ليست هذه الرواية سيرة عائلة عادية، بل مشتلٌ للأسئلة الوجودية الكبرى: الهوية، الذاكرة، الانتماء. تنطلق الشرارة من موت “الأم راحيل”، لتفتح صندوق أسرار عائلة بعثرتها رياح الحياة في أصقاع الأرض. من جرح فلسطين إبّان النكبة، إلى الاغتراب في فرنسا، وصولًا إلى استقرارٍ قلق في المغرب، تمتد الحكاية على جغرافيا ممزقة، كما لو أن المكان نفسه بطلٌ آخر في الرواية.
في قلب هذا التمزق، تبرز شخصية “محمود”؛ الأب/الغائب/الحاضر. رجلٌ تركت قراراته واختياراته ندوبًا نفسية عميقة في نفوس أبنائه وأمهاتهم. يتحول الماضي، عبره، إلى شبحٍ يسكن الذاكرة ويوجه دفة الحاضر، فلا يكون الهروب خلاصًا بقدر ما يصبح عبئًا مؤجلًا.
كما جاء في الغلاف الخلفي:
“هي رواية عن الفقد الذي يتحول إلى بصيرة، وعن الحقيقة التي لا مفرّ من مواجهتها مهما كانت مُرّة. رواية عن العائلة، لكنها أيضًا عن الإنسان أينما كان، وهو يسعى لاكتشاف نفسه في مرايا التاريخ والآخر.”
تنجح الكاتبة في استنطاق روح التاريخ، متوغلة في وجع الإنسان حين يتحول البحث عن الذات إلى رحلة مضنية في دهاليز الذاكرة والهوية الملتبسة. يتتبع القارئ مسارات الأبناء وهم يحاولون الإمساك بخيطٍ يربطهم بأبيهم محمود، بين باريس والدار البيضاء وفلسطين وسوريا والكويت. تجمعهم وحدة المصير وثقل الأسرار، وتفرقهم الجغرافيا وصراعات السياسة والدين.
تبرز الرواية ببراعة الحالة النفسية لشخصيات تعيش الضياع والاغتراب، وتطرح تساؤلات جريئة حول معنى الانتماء، والإيمان، والحب الذي لا يخضع دائمًا لقيود العادات والأعراف والحدود. كل ذلك بلغة متينة، مشبعة بالمشاهد البصرية والتفاصيل الدقيقة، وحوارات مشحونة تكشف هشاشة الإنسان أمام أسئلة الوجود الكبرى.
تضعنا “المر” أمام سؤال مركزي ومقلق: هل “الإنسان العالمي” الذي يدعو إليه محمود، المتحرر من القومية والدين، إنسانٌ حر فعلًا؟ أم أنه إنسانٌ يختبئ خلف خطاب الحرية ليتنصل من مسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه؟
الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تترك أبناء محمود في صراع مفتوح، يمثل كل واحد منهم احتمالًا مختلفًا للحقيقة. أما الأب، فيظل كأنه هارب من مواجهة ما خلّفه اختياره في أن يعيش كما يحب، بعيدًا عن كل التزامات تكبّله في واقع سئمه، فاختار تغييره بالانسحاب منه، غير عابئ بما سيتركه من تصدعات اجتماعية ونفسية.
“المر” رواية مشوقة، عميقة، ومؤلمة بقدر ما هي صادقة. عمل أدبي يحمل في داخله مادة بصرية ودرامية ثرية، تجعله مؤهلًا لأن يتحول إلى فيلم أو مسلسل، لأن وجعه ليس محليًا فحسب، بل إنسانيٌّ عابر للحدود.
