اصواتهن

المقاطعة والحراك التكنولوجي

زهور كرام

منذ اندلاع خطاب «الشعب يريد» مــع «الربيع العربي» حدث تحولٌ كبير في موقع الشعوب العربية. لم يكن ملفوظ «الشعب يريد» تعبـــيرا عاديا، أو مجرد تفجيرٍ لصوتٍ مقهور، أو عبارة عن صرخة عابرة، بقدر ما كان إعلانا تاريخيا صريحا عن بداية تحركٍ في موقع الشعوب.
غير أن عدم الاهتمام بطبيعة هذا الخطاب، وباستراتيجياته الجديدة من قبل مدبري الشأن السياسي، والفاعلين فيه، وممثلي الشعوب في مؤسسة البرلمان من حكومات وأحزاب، كشف عن تجاوز خطاب «الشعب يريد» لنمط التفكير السياسي في التجربة العربية. فسوء التدبير السياسي لخطاب الشعب، أو بتعبير أدق، سوء فهم انتقال موقع الشعب من المُطالب بحقوقه إلى المُبادِر بتحقيق الحقوق، عبر صيغ متعددة، اتخذت في البداية شكل الفضح والتعرية لمختلف أشكال الفساد التي تُعيق تحقيق الحقوق، عبر المنصات التكنولوجية، إلى اقتراح تدابير لتجاوز أشكال الفساد، ثم إلى اتخاذ قرار تحقيق الاقتراح قد أدى إلى اتساع الهوة بين الشعب وحاجياته والفاعل السياسي، الذي استسهل الخطاب، ولم يتعامل معه بذكاء سياسي انسجاما مع اللحظة التاريخية الجديدة. وإذا كنا نلاحظ تراجع ملفوظ «الشعب يريد» في التعبير الاجتماعي والإعلامي والسياسي، فذلك يعود إلى أسباب عديدة، قد يكون من بينها ارتباط الملفوظ بـ«الربيع العربي» الذي يعيش كثير من البلدان العربية انعكاساته على الوطن والمواطنين، وعلى التاريخ والجغرافية، وعلى الذاكرة والمستقبل، ما جعل الملفوظ مرتبطا بانعكاسات «الربيع العربي»، كما يمكن أن يعبر غياب هذا الملفوظ في الخطاب المتداول، عن تجاوزه باعتباره شعار مرحلة، وتحوله إلى فعلٍ يتحقق بمستويات مختلفة. وعليه، يمكن الحديث عن انتقال «الشعب يريد» من الملفوظ والشعار إلى الموقف والقرار.
يدخل في إطار تفعيل الخطاب الاجتماعي لـ«الشعب يريد» قرار مُقاطعة ثلاث شركات في قطاعي التغذية والمحروقات في المغرب.
تعتبر المقاطعة الشعبية المغربية حالة تاريخية اجتماعية حققت نجاحا كبيرا، حولها إلى موضوعٍ إعلامي عالمي من جهة أولى، وجعلها نموذجا لتجربة تُعيد القرار إلى الشعب من جهة ثانية، ووضعت الفاعلين السياسيين والاقتصاديين أمام تحدي مواجهة قرارٍ يتم تفعيله بالمنصات التكنولوجية والمواقع الاجتماعية، وبإرادة شعبية تتم خارج وصايا الأيديولوجية من جهة ثالثة.
كيف يمكن قراءة خطاب المقاطعة الشعبية المغربية؟ وهل يمكن الحديث عن بداية نمو ما يمكن تسميته بـ«طبقة برونيتارية» تتحرك في الفضاء الافتراضي؟ هل يمكن تحليل استراتيجيات خطاب المقاطعة، وعلاقته بالوسيط التكنولوجي؟ وما هي وسائل التأثير الافتراضية، التي تجعل مقاطعة مواد غذائية ومحروقات تحقق تفاعلا كبيرا؟ وكيف يمتلك الحراك التكنولوجي قدرة تطويع الواقع؟ هل نستطيع أن نتحدث عن نمو وعي اجتماعي جديد، يتشكل ويتطور ويتحقق بفضل الخدمات التكنولوجية؟ هل بدأنا نشهد ظهور شكل نضالي جديد ومختلف؟ وهل تتوقف مكتسبات المقاطعة في خضوع الشركات موضوع المقاطعة، وتخفيض أسعار المنتوجات؟ أم أن المقاطعة بداية لمشروع شعبي وجد في الخدمات التكنولوجية وسيطا لإعلان قراراته الحاسمة؟ هل تُدرك الأحزاب السياسية والإطارات التمثيلية لمطالب الشعب ورطتها التاريخية؟ وكيف يمكن فهم تخلف الخطاب الأيديولوجي عن الخطاب الشعبي التكنولوجي؟ كيف يمكن تحليل سلطة الوسائط التكنولوجية؟ إلى أي حد تستطيع هذه السلطة أن تُحصن القرارات الاجتماعية حتى لا تنزاح عن شرعيتها؟
إذا كانت المقاطعة تحمل رسائل اقتصادية وسياسية برؤية اجتماعية، فإنها – إلى جانب ذلك – تثير موضوعا بالغ الأهمية، وهو المتعلق بتحويل الفضاء التكنولوجي إلى ساحة نضالية، قادرة على بث الوعي الاجتماعي، وتوسيع قاعدة المنخرطين في هذا النضال، وضمان سرعة التأثير والتفاعل والانخراط المسؤول في المطالب والقرارات. وهو أمرٌ يتطلب إعادة النظر في التعامل مع خطاب المطالب الذي ينتقل إلى شكلٍ مُغاير، ومن ثمة، إلى وسيط يجعله أكثر تأثيرا وانفتاحا على كل الاحتمالات الممكنة.
إن استمرار المقاطعة مدة أسابيع، وتأثيرها الاقتصادي على الشركات موضوع المقاطعة، وارتباك الحكومة في التعامل مع هذا القرار الشعبي الذي نزل كالصاعقة على مدبري الشأن السياسي، وتذبذب المواقف الأيديولوجية، يطرح أسئلة كثيرة حول موقع التكنولوجيا في التدبير السياسي، وهل هناك مواكبة حقيقية للتحولات التي يعرفها المجتمع في علاقة مع استخدامه للمنصات والتطبيقات التكنولوجية؟ وهل بدأنا نفكر في إمكانية تشكل فئة أو طبقة تفكر وتناضل من خلال الوسيط التكنولوجي؟ وهل يمكن الحديث عن مفهوم جديد للمواطن؟
يمكن تأمل هذه الأسئلة من واقع المقاطعة، وفعاليتها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. كما يمكن تحديد ذلك في العناصر التالية. أولا: قدرة التكنولوجيا على التأثير السريع. فقد تميزت المقاطعة بعنصرٍ يبدو مهما ومثيرا للانتباه، وهو كونها تشكلت بصورة تجعل منها صوتا جماعيا. فالمقاطعة تحركت داخل المنصات والتطبيقات التكنولوجية، وانتشرت بسرعة مثل النار في الهشيم. وأبدعت أشكالا حفزت الوعي بها، وبضرورة تفعيلها على أرض الواقع. ثانيا: المقاطعة تحصيل حاصل. فقد يعتبر البعض أن فعل المقاطعة قرار فُجائي، وقد يستغرب البعض الآخر قدرتها على تطويع الوعي الاجتماعي، وجعله وعيا فاعلا على أرض الواقع، خاصة أنها تزامنت مع شهر رمضان، حيث الاستهلاك الكبير لمنتوجات المقاطعة، لكن من يتتبع علاقة المغاربة بالمنصات التكنولوجية، وكيف تم استثمارها منذ اندلاع ملفوظ «الشعب يريد»، وكيف تم توجيه التكنولوجيا نحو خدمة الوعي الجماعي في القضايا الاجتماعية على الخصوص، سيعتبر بأن المقاطعة هي تطور مستمر لشكل التعامل مع التكنولوجيا، بدون أن يعني ذلك، تعاملا وظيفيا وموضوعيا وإيجابيا في كل المناحي. ثالثا: شكّلت المقاطعة الشعبية أكبر تحد لمدبري الشأن السياسي. ويتمثل التحدي في كون الحكومة لم تتعامل مع المقاطعة في البداية، باعتبارها موقفا اجتماعيا مسؤولا، ربما لكونها ما تزال تعتقد بأن التحرك من خلال المواقع الاجتماعية ليس رسميا، أو لكونها اعتبرت الأمر عابرا، أو استحالة تحقيقه واستمراره خاصة مع استقبال المغاربة لشهر رمضان، لأن الأمر يتعلق بالحليب والماء والمحروقات. فاستمرار المقاطعة، يجعل التحدي أكبر وأصعب، ويدفع نحو تغيير الممارسة السياسية والحزبية.
تشكل المقاطعة في التجربة المغربية أرضية خصبة لتحليل التحولات الاجتماعية التي تحدث في علاقة باستعمال الوسائط التكنولوجية، وتعمل على تغيير المفاهيم والعلاقات، وتقترح وعيا جديدا يتشكل وهو يتفاعل. ولعل قوة التأثير التفاعلي تأتي من كون أفراد المجتمع الرقمي يمتلكون سلطة أدوات التكنولوجيا، ويستطيعون استثمارها، والتصرف فيها، والتعبير والإبداع من خلالها، وهو ما عبر عنه الكاتب الفرنسي المهتم بدراسة المستقبل مع التكنولوجيا جويل دو غوسناي، من خلال تحديد الفرق بين مفهومي البروليتاريا والبرونيتاريا، معتبرا أن طبقة البروليتارية لم تكن تتحكم في أدوات الإنتاج الضخمة المخصصة للمحترفين، عكس ما يحدث في المجتمع الرقمي الذي يسمح لأفراد مجتمعاته بالتصرف في الأدوات التكنولوجية، واستثمارها لصالح قضاياهم وحاجياتهم، وباستطاعتهم أن يكونوا كتابا، ويمكنهم إنشاء النصوص والموسيقى ومقاطع الفيديو الرقمية بأدوات قوية مثل تلك التي يتمتع بها المحترفون.
إن التأخر في فهم منطق اشتغال التكنولوجيا، وقيمة الخدمات التي تقدمها لكل مستعمليها، كيفما كان مستواهم الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والثقافي، إلى جانب غياب الاهتمام بالمستقبل، وتحدياته قد يعمل على تعميق الهوة بين حاجيات المواطنين ومدبري الشأن السياسي.
روائية وناقدة مغربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى