اخبار بسمةاصواتهنالسلايدر

إلى نسائياتي العزيزات

لطيفة باقا

مضى على هذا النص، سبع سنوات وأكثر … هي عمر تجربتي مع مجلة نسمة الورقية قبل أن تتحول إلى مجلة اليكترونية. النص كان محاولة لحظة فارقة في مساري الشخصي وفي تاريخ الحلم النسائي الذي صدقناه جميعا…كان محاولة لالتقاط ذلك الوهج الذي تحمله عادة معها البدايات. ولأن الكتابة عن البدايات هي كتابة حارقة بالضرورة تستدعيني اللحظة التي نعيشها اليوم ونحن نؤسس لبداية جديدة بهوية جديدة أن أعيد البحث بين أوراقي عن تلك اللحظة وعن ذلك الوهج وأتقاسمه معكن ومعكم…

الحياة هي أيضا تلك المحطات المهمة و الأقل أهمية التي نتوقف عندها خلال مرورنا القصير نسبيا عبر ردهات  هذا الوجود..محطات تساهم حتما في صياغة ما سنكون عليه لاحقا.فيما يخصني،يظل ما أسميه ب”تجربتي النسائية “إحدى أهم تلك المحطات.

اتحاد العمل النسائي،مركز محو الأمية للنساء، جريدة 8 مارس،”ديور الجامع” بالرباط. “المقر”… لطيفة اجبابدي، زهور العلوي، فاطمة مغناوي، السعدية أبناو الحاجّة يجّو و الحاجّة المذكورية و الأخوات ميري و كلّ باقي المستفيدات اللواتي كنّ لا يكتفين بحصة درس ما بعد الظهرليفاجئنني بحضورهن صباحا بحثا عن مزيد من”القراية”ربما، أو عن شخص ما يمكن أن يصغي إليهن و إلى همومهنّ الشخصية، هذه الخاصية التواصلية التي كنت أحسنها فيما يبدو…

فلاش باك:البدايات. حفل الافتتاح. الثامن من  مارس 1993. افتتاح مركز محو الأمية وسط فتاوي تكفرنا- نحن عضوات الجمعية- لأننا تجرأنا و خلعناعن مدونة الأحوال الشخصية طابعها القدسي. سنصنف كمجموعة ناشزة تطمح إلى إعادة النظر في “مسلمات” المدونة. حركة عارمة في ديور الجامع دعوات توزع، هاتف لا يتوقف عن الرنين. فناجين قهوة وعلب بسكويت على الطاولات، ولا وقت للأكل. خديجة بري، الشابة الصغيرة التي كانت قد التحقت بناحديثا، تهيئ القهوة. تخبرنا أنّ هناك بقية من المعكرونة بالجبن بالمطبخ… ركض في كل الاتجاهات. البنات ينجزن ما  كلفنّ به: حكيمة التدلاوي تتراجع للخلف لتتأكد من أنّ النباتات قد وضعت في الأماكن المناسبة، ثمّ تطمئنّ على وضعية الستائر.عفاف الجازولي بأناقتها الرباطية تسر بشيء ما للطيفة اجبابدي رئيستنا. الجميلة منار البوحسيني أحضرت باقة كبيرة من الزهور. ثرثرات، نقاشات، ضحك. أتبادل القفشات بتواطئ مع نزهة أوطالب الأمازيغية التي كانت تنجح في تلطيف الجوّ داخل الاجتماعات كلّما تحولت هذه الأخيرة إلى لحظات ثقيلة و مملّة، هي نفسها التي  كانت  تتوج في اللقاءات الرسمية  ممثلة للعضوات  في لغة العم سام/الإنجليزية. عائشة لخماس بحسّها العملي المتطور جاءت من الدار البيضاء لهذه المناسبة و صديقتها السلاوية نزهة العلوي تأتي من القنيطرة ..فاطمة الزهراء طموح العقل المدبّر…توزع  ابتسامتها الديمقراطية على الجميع. عدنان الجازولي صديق الاتحاد والحائز على أول بطاقة عضوية شرفية كان هناك أيضا. الرقيقة الشفافة  خديجة مروازي تجلب الشوكولا وتضعها أمامن.ا خلية نحل تتنقل داخلها مجموعة من النساء المغربيات يجمعهنّ حلم كبيرا بحجم الحرية والكرامة والحقّ في الاختلاف و بمذاق الأوهام اللذيذة التي ترتبط بالبدايات. لم نكن طبعا جمعية نسائية لأعمال التريكو نقتل ما يفيض حولنا من وقت مع الحفاظ ما أمكن على التقسيم القديم الذي كان يقذف بنا كجنس “ثان” على هامش الحياة الحقيقية. كنّا بالتأكيد، نأسّس لشيء آخر… أمينة السّودي دينامو الإتحاد لا تنسى اللمسات النهائية، صديقتها  جميلة السيوري تطمئن لطيفة بأنّ كلّ شيء على ما يرام…الحفل سيبدأ بعد قليل. هل فاتنا شيء ما ؟ ثمّ هل تذكرت أنا بدوري كل ما حدث و أنا أسترجع هذه اللحظة المفعمة بالحنين؟ هل تذكرت كلّ صديقاتي النسائيات العزيزات؟ ..يبدأ الحفل. المقرّ غاص بالضيوف، إضافة إلى العضوات القديمات و الملتحقات حديثا سوف يحتفل معنا بالمناسبة أشخاص كثيرون. أنتبه إلى وجود الفنان محمد القاسمي كان يقف عند الباب، لا زلت أذكر ابتسامته المتسامحة. الحبيب الطالب يجرّ مقعدا و يجلس صامتا يوجّه نحونا تلك النظرة الفرحة التي كان يحتضننا فيها. خديجة أميتي تطلب منّي أن أقرأعلى الحضور نصّا من نصوصي ثمّ تقف في وسط القاعة و تبدأ في تقديمي  كما لم يفعل أحد قبلها.(لم تكن فكرة القراءة جيّدة، كانت لحظة إحراج بالأحرى. سوف أشعر بمثلها،فيما بعد، كلّما طلب منّي أن أقرأ من دون سابق إنذار). بعد انتهائي، ستقترب منّي سيدة بشوشة شديدة البياض و تهمس في أذني أنّها تحبّ كثيرا ما أكتبه، تلك السيدة كان اسمها “نزهة الصقلي”. أتذكر أيضا الشاعر صلاح الوديع. الكلّ كان هناك ليتقاسم معنا فرحتنا باستئناف جريدة 8مارس، باستمرارأشغال لجنة التنسيق من أجل تغيير المدونة، برفع  ملفنا المطلبي إسوة بباقي الجمعيات التي ستشكل ما سيعرف بالحركة النسائية المغربية.

ونحن نستحضر ذكرى تأسيس جريدة 8 مارس. في رأسي أفكار كبيرة بطعم الحرية و المساواة،أفكار صادفتها داخل كتب بعينها،كتب كانت مصباحي في رحلة وعيي واكتشافي لهذا العالم. كتب كثيرة، بها آمال كبيرة. و أفكار أخرى تبلورت في ذهني  نتيجة لتلك النقاشات المطولة مع أمّي الرّوحية زهور العلوي: منظرة الجمعية (و إن كانت لم تنتج كتابة بحجم ما لديها من عمق في التصوّرات و الأفكار) زهور المتحدثة اللبقة المنفتحة على كلّ أبعاد هذا الوطن التي سوف تعلّمني كيف أصفف الزهور و أسكب الشاي(كما يفترض أن يسكب)، والتي  ستجعلني أستوعب أن ما نفكر به  ليس  بالضرورة ما يفهمه الآخرون. “هل هناك من يغني معي هذه الأغنية؟” كانت تقول دائما.

كانت تربطني صداقات افتراضية كبيرة بمنظرات الحركة النسائية العالمية”بيتي فريدان”  “جرمين غرير” و “نوال السعداوي” و “فاطمة المرنيسي” (التي  شرفت حفلنا أيضا بحضورها الخاص)” سيمون دو بوفوار”… و كلّ النسائيات الرائعات اللواتي صادفتهن في محطة ما من محطات الحياة. و اللواتي  ساعدنني في إبرام اتفاقية صلح مع العالم، دون أن أتنازل عن حقّي في الكرامة والحرية والحبّ، النسائيات اللواتي جعلنني بالتأكيد أكتشف أنّه في هذا الوجود القصير والعبثي  هناك من يغني معي نفس الأغنية…أحيانا.

بمناسبة عيدنا الأممي الجديد،إذن، صديقاتي النسائيات…أحبكنّ.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى